الحديث الأول : قبل البكاء

وحينما أينع النهار ، وتبهرجت النوافذ ، كانت الشمس تخيط لِحاء يهوي لصدر السماء.
كانت الأشعة عميقة جدًا ، والظل يفر بعيدًا.
وتلك الأغنيات تترى على آذان الأرض ، وأطواق الأطاير تحيط المدائن . وتغني عاليًا.
كانت تحدق به حتى كادت أهدابها أن تنقب بوجهه أخدودًا.
استيقظ ، تعثر ببقايا الحلم ، تأفف كثيرًا ، غسل عينه ودلف إلى عتبة توشك أن توقعه.
ذم يومه ، وبكثير الشؤم احدث في مساءه سئم لن يبرأ حتى يتذوقه ويشهق.
أصبح يطبق شفتاه على أقاويل وحكايا تذوي بالأذن.
خرج من منزله وخلف وراءه خيبته وذكريات ملتصقة به.
توكأ على قفى الطاولة وبيديه يتيمم بصحيفة سياسية حمقاء.
حينما تغايض به القعود دونما شهية ، فر ولازمته روائح الأطباق المتروكة!
يجر أطراف أقدامه ، والهواء حوله يكاد يختنق عاذلاً تمتمات رأسه.
– وماذا سأفعل ، ولما أفرُ دونما سبيل ؟ يالله لقد ضللت !وبذكرى منحرفة ذهبت أضعلي إلى ساحل بحرك الأقفر ، تخاطيت بدربي
كانت الرياح بيضاء باردة شاحبة ، تتربص مني الأحاديث ، تغفيني بتساؤل ولطالما
اوقد بالفؤاد الردى . وبكيت حد النواح وأرقيت به موتًا
لقد قلت لك أن موج المحيط يخلق بصوته نبرة كئيبة.
ضممت إلى آخر يدي خنصرك وتنادينا بالعهد ذلك.
و تسمرت أمامه لوحدي أعتدلت واقفًا ، تشكلت ملامحك تثقلني فقط.
طيات جبينه تلاشيني على آخر نفس.
أصابتني سكرة بكاء ، تمددت على حوافره ، عيرتني الرياح وسخرت السماء.
رَملتُ عيناي بالدمع حتى تقفعا . تحسرت ومضيت في سبيل العودة أهوي عقبًا!
( نحن نتخاوف الرحيل ، ولا ندرك مالذي سيتهالك إثرُهُ.
ننتظر ، ننتظر ، ننتظر ، وننتظر وأيضًا ننتظر . حتى تشيب الآمال ونحبو على
نعش الذكرى حفاة ، بكاة ، حسرى . )
اغلقت عيناي وأحسست أنفاسك تختنق بي.
تطاولت وأنا اسدل غمام الظلام على عيني.
تلاحق بي ، خيط ذكرى مصفر.
استمسكت به ، وهبته ضلعي ، ولأنني اُوهِمتُ رائحتك به.
وبمتاهة الملل ، انهرت.
لم توقظني الأطاير ، وتشبذت بظلالي الأكدار.
* كتب بطرف حبرهِ سطرًا دونما لون ، وارسلهُ إلى ساحل الحمام لتقافز به إلى نافذة
أذنها وقال :
إذًا ، أنا الذي تعاسرت أيامهُ ، أحتاجكِ
أنا الذي محوت كل الذكريات البائسة وانعزلت إليكِ ، احتاجكِ.
لم تخالجني رذائل الندم حين توخيت حبك ، والآن أيا شق فؤادي
يمكنني أن اختلق الابتسامة على خدي دونما آلم.
حبيبتي : لقد انهيت قصيدتك ، وتغنى بها الحمام فامعني التصنت.
لا بأس ، حين اثقل صوتي مسمعك . سارحل.
واودعك وداعًا أخرقًا . اغمضي عينيك كي لا يتحطم فؤداك حين
اختفي ، عذرًا فؤداي حين ارحل . اعتقدك تتوسدين
مدينة واسعة وسماء شاهقة لا ترين بها ظل فراري واراني أنا.
لا اجد الختام ، فقط اعفني منه.

مازن آلمحمد
@Betrayal_20

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s